مجمع البحوث الاسلامية

790

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

سريع الحساب ، أي سريع القبول للدّعاء بغير إحساس وبحث عن المقدار الّذي يستحقّه الدّاعي ، كما يبحث المخلوقون للحساب والإحصاء . وهذا الجواب مبنيّ أيضا على دعوى أنّ قبول الدّعاء لا يسمّى حسابا في لغة ولا عرف ولا شرع ، وقد كان يجب على من أجاب بهذا الجواب أن يستشهد على ذلك بما يكون حجّة فيه ، وإلّا فلا طائل فيما ذكره . ويمكن في الآية وجه آخر ، وهو أن يكون المراد ب ( الحساب ) : محاسبة الخلق على أعمالهم يوم القيامة وموافقتهم عليها ، وتكون الفائدة في الإخبار بسرعته الإخبار عن قرب السّاعة ، كما قال تعالى : سَرِيعُ الْعِقابِ . * وليس لأحد أن يقول : فهذا هو الجواب الأوّل الّذي حكيتموه ؛ وذلك أنّ بينهما فرقا ، لأنّ الأوّل مبنيّ على أنّ ( الحساب ) في الآية هو الجزاء والمكافأة على الأعمال ، وفي هذا الجواب لم يخرج الحساب عن بابه وعن معنى المحاسبة ، والمقابلة بالأعمال وترجيحها ؛ وذلك غير الجزاء الّذي يفضي الحساب إليه . وقد طعن بعضهم في الجواب الثّاني معترضا على أبي عليّ الجبّائيّ في اعتماده إيّاه ، بأن قال : مخرج الكلام في الآية على وجه الوعيد ، وليس في خفّة الحساب وسرعة زمانه ما يقتضي زجرا ، ولا هو ممّا يتوعّد بمثله ؛ فيجب أن يكون المراد الإخبار عن قرب أمر الآخرة ، والمجازاة على الأعمال . وهذا الجواب ليس أبو عليّ هو المبتدئ به ، بل قد حكي عن الحسن البصريّ ، واعتمده أيضا قطرب بن المستنير النّحويّ ، وذكره المفضّل بن سلمة ، وليس الطّعن الّذي حكيناه عن هذا الطّاعن بمبطل له ، لأنّه اعتمد على أنّ مخرج الآية مخرج الوعيد ، وليس كذلك ، لأنّه تعالى قال : فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ * وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنا عَذابَ النَّارِ * أُولئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسابِ البقرة : 200 - 202 . فالأشبه بالظّاهر أن يكون الكلام وعدا بالثّواب ، وراجعا إلى الّذين يقولون : رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنا عَذابَ النَّارِ ، أو يكون راجعا إلى الجميع ، فيكون المعنى : أنّ للجميع نصيبا ممّا كسبوا ، فلا يكون وعيدا خالصا ، بل إمّا أن يكون وعدا خالصا أو وعدا ووعيدا . على أنّه لو كان وعيدا خالصا على ما ذكر الطّاعن ، لكان لقوله تعالى : وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسابِ ، على تأويل من أراد قصر الزّمان ، وسرعة الموافقة وجه وتعلّق بالوعد والوعيد ؛ لأنّ الكلام على كلّ حال متضمّن لوقوع المحاسبة على أعمال العباد ، والإحاطة بخيرها وشرّها ؛ وإن وصف ( الحساب ) مع ذلك بالسّرعة . وفي هذا ترغيب وترهيب لا محالة ، لأنّ من علم أنّه يحاسب بأعماله ، ويواقف على جميلها وقبيحها ، انزجر عن القبيح ورغب في فعل الواجب . فبهذا ينصر الجواب ، وإن كنّا لا ندفع أنّ في حمل الحساب على قرب المجازاة ، أو قرب المحاسبة على الأعمال ترغيبا في الطّاعات وزجرا عن المقبّحات :